From Martin Enserink “Peace of Mind”, SCIENCE 352:1158-1161(June 3, 2016). Reprinted with permission from AAAS.

This translation is not an official translation by AAAS staff, nor is it endorsed by AAAS as accurate. In crucial matters, please refer to the official English-language version originally published by AAAS.

herz_through_glass

السلام الداخلي

عالم أعصاب فلسطيني شاب يأمل في إنشاء واحة خصبة للبحث العلمي في الضفة الغربية لتتسامى على السياسة

بقلم: مارتن إنسيرنك، من الضفة الغربية.  تصوير: محمود عليان، أسوشيتد برس.

 

في ظهيرة يوم مشمس من شتاء عام 2016، يستقل محمد حرزالله سيارة والده على الطريق السريع 60 متجهاً صوب جنين ليزور عائلته.  تعج الطريق بالتلال الصخرية وبساتين الزيتون في قلب الضفة الغربية في فلسطين، مروراً ببعض القرى والبلدات الفلسطينية.  يتراءى للناظر إلى قمم هذه التلال مشهد سياج المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية والتي تعتبر عائقاً في وجه العملية السلمية في المنطقة. “يسمونها: حقائق على أرض الواقع … مصطلح مثير للاهتمام”، يقول محمد حرزالله ببرود

في الطريق، تنتشر الحواجز الأمنية الإسرائيلية التي قد تشل حركة السير دون سابق إنذار.  لكن لحسن حظنا، لم يحدث أي تأخير اليوم.  يستذكر محمد حرزالله، وهو عالم أعصاب فلسطيني جامعة رتجرز الأمريكية في مدينة نيوارك، نيوجيرسي ـ يستذكر قسوة الظروف التي مر بها على الحواجز الأمنية الإسرائيلية في بدايات عمله في أبحاث الأعصاب عندما كان يقطع الضفة الغربية طولاً وعرضاً لفحص المرضى المصابين بالشلل الرعاشي (مرض باركنسون).  “تعلمت أن أتأقلم مع هذه الظروف”، يقول محمد.  رغم ذلك، فإن محمد حرزالله غير آبهٍ في بدء نقاش حول الاحتلال الإسرائيلي.  كل ما يشغل فكره هو المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، والتي أسسها في عام 2009 وهو طالب في كلية الطبّ لم يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر

يقول زملاء محمد حرزالله من علماء الأعصاب: “لقد قام بعمل استثنائي، إذ أنشأ برامج تدريبية في أبحاث الأعصاب في بلد فقيرة محدودة المصادر مزقتها النزاعات، حيث البنية التحتية لأبحاث الأعصاب غير موجودة”. حالياً، تتخذ المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب من جامعة القدس في أبوديس –على حدود القدس– مقراً لها، حيث قامت المبادرة بتدريب العشرات من طلاب الجامعة على أسس أبحاث الأعصاب، وتحصلت مع جامعة رتجرز الأمريكية على دعم بقيمة 300 ألف دولار أمريكي من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH) لدراسة مرض الاكتئاب السريري المتفشي في فلسطين

“حتى دون أدوات البحث العلمي الأساسية الموجودة في الأماكن الأخرى –كمعدات تصوير الدماغ، والحيوانات المخبرية، ومحللات المادة الوراثية (DNA)– استطاع محمد حرزالله أن يحقق الكثير”، يقول عالم الأعصاب النرويجي إدفارد موزر –من جامعة العلوم والتكنولوجيا في تروندهايم في النرويج– والذي زار المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب في عام 2014 قبل ثمانية أشهر من حصوله مع زوجته ماي-برت موزر على جائزة نوبل في الطب أو وظائف الأعضاء.  “لديه إصرار، متزن، عميق الفكر، وواقعي”، يقول إدفارد موزر عن محمد.  “إنني أكن له الكثير من الاحترام”

“إنّ محمد حقاً شخص لا تقابل مثله كل يوم” يضيف أليساندرو تريفيز، عالم الأعصاب الحاسوبية في جامعة الدراسات المتقدمة في ترييسته، إيطاليا، وهو داعم قوي وصديق مقرب من محمد حرزالله.  “العلم هو درب من دروب الحرية بالنسبة لمحمد”.  يرى محمد، والذي يزور الضفة الغربية مرتين سنوياً، أن المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب شكل من أشكال بناء القدرات والمرافق في فلسطين، كخطوة أولية لأهداف مستقبلية تبدو بعيدة المنال، كوضع أسس للبحث العلمي في الدول النامية.  في مثل هذه الحالة، يغدو التركيز والانقطاع على البحث والدراسة أحد مستلزمات النجاح.  “في حال كان لهذا المقال أهداف سياسية، سيتعرض كل ما أنجزته للخطر”، هذا ما حذرني منه محمد قبيل زيارتي.  يرى محمد أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي اللانهائي يشتت تركيز الشباب الفلسطيني عن الإسهام في بناء المجتمع.  “يجب علينا في فلسطين أن نخرج جيلاً جديداً يتقن الحديث في أمور أخرى غير السياسة” يقول محمد.  “على الجيل القادم أن يتقن لغة جديدة، ليكون قادراً على الإسهام في مجالات أخرى.  لا بدّ لنا من البحث عن الطمأنينة الفكرية”

الحرم الرئيسي لجامعة القدس قريب جداً من الجانب الشرقي لجدار من الإسمنت المسلح طوله ثمانية أمتار، يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية. تستطيع من بعض المناطق رؤية القبة الذهبية المتلألئة، قبة الصخرة، في المسجد الأقصى في القدس، والتي تتوسط قلب شعار جامعة القدس.  تقع بعض كليات جامعة القدس والمستشفيات التدريبية على الجانب الغربي من الجدار في القدس الشرقية، مما يزيد صعوبة الحياة لـ12,500 طالباً وأستاذاً في جامعة القدس.  عندما بدأ محمد دراسة الطب في جامعة القدس عام 2003، كان ارتفاع الجدار لا يزيد عن مترين.  “لو تخطيت الجدار وأكملت طريقك ماشياً لوصلت البلدة القديمة في القدس بعد أقل من نصف ساعة”، يقول محمد.  إلا أنّ الطريق تستغرق الآن ضعف الوقت للوصول، إذ لا يسمح إلا باستخدام المواصلات العامة التي تمر من خلال حاجز أمني إلى شمال الجامعة. (لا يسمح لفلسطيني الضفة الغربية بقيادة سياراتهم في المناطق الإسرائيلية)

herz_joman

محمد حرزالله مع زوجته جمان النتشة في بيت عائلته قرب جنين.  لجمان مشاركات في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، فقد أنشأت مبادرة الصحة النفسية للنساء الفلسطينيات

نشأت خطط برامج علوم الأعصاب في جامعة القدس من خلال صداقة بين مارك جلوك، باحث في علوم الذاكرة والتعلم في جامعة رتجرز الأمريكية، وعادل مسك، أستاذ أمراض الأعصاب السريرية في جامعة القدس.  في عام 2008، قام عادل مسك ومارك جلوك بتدريب ثلاثة من طلاب الطب على أسس البحث العلمي لدراسة الوظائف الإدراكية عند مرضى الشلل الرعاشي (باركنسون).  “واحد من هؤلاء الطلبة كان نجماً، وتغلب على كل الصعوبات وجمع كل البيانات اللازمة”.  يقول مارك جلوك.  هذا الطالب كان محمد حرزالله

في عام 2009، قضى محمد حرزالله ستة أسابيع في مختبر مارك جلوك، حيث انتهى من كتابة ونشر دراسته الأولى عن مرض الشلل الرعاشي (باركنسون).  (النتائج الأساسية للدراسة تشير إلى أن علاج مرض الشلل الرعاشي (باركنسون) بالأدوية المضادة للكولين (anticholinergics) تثبط قدرة المريض على التعميم، وهو تطبيق ما تم تعلمه مسبقاً تحت ظروف جديدة).  عمل محمد حرزالله ومارك جلوك على جمع التبرعات من مانحين في الولايات المتحدة لإنشاء برنامج تبادل في أبحاث الدماغ بين جامعة القدس وجامعة رتجرز الأمريكية.  بعد ذلك بفترة وجيزة، قام محمد حرزالله بإنشاء المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب في جامعة القدس، وبدأ التحضير لرسالة الدكتوراه في علوم الأعصاب في جامعة رتجرز الأمريكية في عام 2010.  كخطوة مبدئية، قدم محمد حرزالله ومارك جلوك طلباً للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH) لدعم أبحاثهما عن الوظائف الإدراكية عند مرضى الشلل الرعاشي (باركنسون) في فلسطين، لكن طلبهما قوبل بالرفض.  “لم يلبِّ المشروع الاحتياجات الصحية الخاصة في هذا المجال”، يقول محمد حرزالله

دراسة الاكتئاب السريري تطابق هذه الاحتياجات.  أثبتت الدراسات أن ما يزيد عن ربع سكان الضفة الغربية يعاني من الاكتئاب السريري، وهو مرض نفسي شديد قد يقود إلى العجز.  تتجاوز نسبة انتشار الاكتئاب السريري في الضفة الغربية ثلاثة أضعاف نسبة انتشاره في الولايات المتحدة.  (بناءً على أبحاثه غير المنشورة، يقدر محمد حرزالله نسبة انتشار الاكتئاب السريري في الضفة الغربية بـ36%).  يشير الكثيرون بأن كون فلسطين تحت الاحتلال، والركود الاقتصادي، وحالة اليأس المنتشرة في المجتمع الفلسطيني تعد أسباباً رئيسة لانتشار الاكتئاب السريري في الضفة الغربية.  “بناءً على أبحاثنا، لا نستطيع تحديد الأسباب بدقة، فنحن باحثون في علوم الأعصاب وليس في علوم الأوبئة”، يقول محمد حرزالله.  يلجأ عدد بسيط من مرضى الاكتئاب السريري لعيادات الأطباء لتلقي العلاج بسبب وصمة العار المجتمعية التي تلاحق المصابين بالأمراض النفسية.  “إنها العقلية العربية”، يقول حمزة موسى، باحث في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب يدرس الاكتئاب السريري.  “تعتبر الإصابة بالاكتئاب السريري عيباً وضعفاً.  يتهم الناس المريض بالجنون. حتى إن هذا يقلل فرص فتيات العائلة في الزواج”.  حتى المرضى الذين يرغبون في تلقي العلاج لا يصلون لمبتغاهم بسهولة.  يضيف محمد حرزالله أن عدد أخصائيي الأمراض النفسية في الضفة الغربية والتي يبلغ عدد سكانها 2.8 مليون نسمة لا يتجاوز 25 طبيباً

انتشار الاكتئاب السريري في الضفة الغربية يسهل دراسة المرض.  “في الولايات المتحدة تتم مداواة أي عرض من أعراض الاكتئاب السريري مباشرة” يقول مارك جلوك.  “لو أردت دراسة الوظائف الإدراكية في الاكتئاب السريري في المرضى الذين يتلقون العلاج فلن تستطيع التفريق بين أثر الاكتئاب السريري وأثر أدويته المضادة”.  لقد تمكن مارك جلوك ومحمد حرزالله من إقناع المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH) بدعم الأبحاث عن الاكتئاب السريري في الضفة الغربية كمشكلة محلية لها أهمية عالمية، ولا يلزم لإجرائها أكثر من حاسب آلي محمول

أظهرت إحدى دراساتهما المنشورة عام 2013، أن لدى مرضى الاكتئاب السريري تأخرً ملحوظ في تعلم تسلسل المعلومات الإدراكية المرتبطة بوظيفة منطقة في الدماغ تسمى العقد القاعدية (striatum).  وإنّ تلقي العلاج بمضادات الاكتئاب يحسّن وظيفة العقد القاعدية، بينما يؤثر سلباً على القدرة على تعميم تعلم تسلسل المعلومات، وهي سلوك إدراكي يعتمد على وظيفة منطقة في الدماغ تسمى الحصين (hippocampus).  هذه النتائج تؤكد ما خلصت إليه الدراسات السابقة بأن لمضادات الاكتئاب آثار إيجابية على العقد القاعدية وأخرى سلبية على الحصين

هذه الدراسة واحدة من خمس دراسات فقط نشرتها المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب بناءً على بيانات جمعت وتم تحليلها في الضفة الغربية، وهناك كذلك العديد من الدراسات الأخرى في طور التحضير كما يشير محمد حرزالله.  من ضمن هذه الدراسات دراسة يرى فيها محمد حرزالله الكثير من الأمل.  إن من أبرز المشاكل التي تواجه العلاج بمضادات الاكتئاب هي أن أكثر من نصف مرضى الاكتئاب السريري لا يستجيبون لهذه الأدوية.  في هذه الدراسة الجديدة التي تعدّها المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب بناءً على بيانات مرضى الاكتئاب السريري الفلسطينيين قبل تلقيهم العلاج، يمكن تمييز المرضى الذين لن يستجيبوا للعلاج بمضادات الاكتئاب مسبقاً بناءً على عدم قدرتهم على التعلم من النتائج السلبية.  (في هذه الدراسة، على المرضى إتقان التعلم من النتائج الإيجابية والسلبية في لعبة لتوقع حالة الطقس. عدم تعلم النتائج السلبية يؤدي إلى خسارة النقاط في هذه اللعبة)

حال التأكد من هذه النتائج، يرى محمد أنها قد تسهم في تصميم جهاز يساعد أخصائيي الأمراض النفسية في تمييز مرضى الاكتئاب السريري الذين لن يستجيبوا للعلاج.  مثل هذه النتائج قد تقود إلى اكتشاف العوامل العصبية الكامنة وراء مرض الاكتئاب السريري وتصميم العلاجات المناسبة له، كما يقول مارك جلوك

herz_lab_3

محمد حرزالله يناقش نتائج بعض الدراسات مع أسامة أبوحديد، باحث في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، وذلك خلال أحد الاجتماعات الدورية

نشأ محمد حرزالله في بلدة يعبد، والتي تقع على بعد 12 كيلومتراً غرب جنين، حيث تسكن عائلته.  يسمي محمد حرزالله نفسه “نصف لاجئ”، إذ إن عائلة والدته هجّرت من بيتها في حيفا عام 1948، ونشأت والدته في قرية قريبة من يعبد.  احتفاءً بزيارتنا لبيت العائلة، أعدت والدة محمد وجبة غداء سخية من الديك الرومي المشوي وكبة اللبن، وهي وجبة شعبية فلسطينية تصنع من لحم العجل المطحون المطهي بالأعشاب.  شاركتنا الغداء اثنتان من أخوات محمد وعمته.  يقول محمد حرزالله أن لعائلته فضل كبير في تطور فضوله العلمي وأخلاقيات العمل لديه.  يختص والد محمد حرزالله في الكيمياء الحيوية، والتي تحصّل على شهادة الماجستير فيها من المملكة المتحدة، وعلى شهادة الدكتوراه من ألمانيا، وهو محاضر في جامعة النجاح الوطنية في نابلس. عمّة محمد حرزالله مختصة في اللغويات، وقد أكملت دراسات الدكتوراه في هذا المجال في جامعة كورنيل الأمريكية.  تستذكر عمة محمد عن طفولته أنه كان طفلاً مبكر النضوج العقلي، حيث كان منكباً على قراءة الكتب الإنجليزية في مكتبتها.  وهو في الصف الخامس الأساسي، تعلم محمد اللغة الألمانية بهدف قراءة النص الأصلي لدراسات الفيزيائي المشهور آلبرت أينشتاين.  كان محمد مولعاً بالفيزياء في صغره، لكن والده أقنعه أنه لا مستقبل لدارسي الفيزياء في فلسطين، فحوّل اهتمامه إلى دراسة الطب

عند الحديث مع محمد حرزالله، يتولد لديك انطباع أنه يسبق عمره، وهذا ما يساعده جداً في قيادة المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، إذ أنه لا يكبر الطلاب والموظفين في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب إلا ببضع سنوات.  في الاجتماعات الأسبوعية للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، لا ترى محمد حرزالله يبتسم إلا نادراً، إذ أنه يقضي جلّ وقته في تذكير طلابه بالتزاماتهم.  “هو يعرف جيداً كيف يكون حازماً، ولكنه يعرف أيضاً متى يتعامل معنا كأخ وصديق”، يقول حمزة موسى.  أما محمد طه، وهو أحد خريجي المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب ويستكمل دراسات ما بعد الطب في جامعة هارفارد الأمريكية، فيقول أن عند محمد حرزالله شيء من الشدّة والرسمية الزائدة: “إنه قائد جيد جداً ويوجه الآخرين بحزم، ولكن أحياناً يحتاج الشخص لشيء من الثقة والمساحة الشخصية”

يوجّه محمد حرزالله تأثيره في الضفة الغربية عبر المحيط الأطلسي، فهو يقضي بضعة أشهر في جامعة القدس، وما تبقى من وقته في جامعة رتجرز الأمريكية.  خلال وجوده في جامعة رتجرز، يستمر محمد حرزالله في إعطاء المحاضرات والدورات التدريبية والإشراف على طلابه في جامعة القدس من خلال البريد الالكتروني وسكايب (Skype)، بالإضافة إلى عمله كباحث في مختبر دينيه باريه، الأستاذ في علوم الأعصاب في جامعة رتجرز، حيث يعكف على دراسة منطقة في الدماغ تسمى اللوزة (amygdala).  “لديه بالفعل وظيفتان متوازيتان”، يقول مارك جلوك.  للوفاء بالتزاماته اليومية، يقول محمد حرزالله أنه يبدأ العمل عند الساعة الرابعة فجراً كل يوم على مدى سبعة أيام في الأسبوع.  العمل تحت هذه الظروف أثر على حياته الشخصية، كما تقول زوجته جمان النتشة، والتي تستكمل دراسات الدكتوراه في علوم الأعصاب في جامعة رتجرز.  لجمان مشاركات في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، فقد أنشأت تحت مظلتها مبادرة الصحة النفسية للنساء الفلسطينيات والتي تهدف من خلالها إلى تدريب طبيبات من نساء فلسطين على أسس أبحاث الطب النفسي للحد من وصمة العار المجتمعية التي تلاحق المصابين بالأمراض النفسية

على الرغم من انتساب 18 باحثاً وباحثة للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، إلا أن ثلاثة فقط من هؤلاء ملتزمون بعمل كلي مدفوع الراتب من المبادرة، فمعظم أعضاء المبادرة من طلاب الطب المهتمين بتعلم مبادئ البحث العلمي.  الفرص الموازية للتي تقدمها المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب محدودة جداً في الضفة الغربية، وهذا يفسر تقدم 50 طالباً للالتحاق بالمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب سنوياً، لكنه يتم عادة قبول عدد محدود جداً فقط، كما يقول محمد حرزالله.  لقد تمكن محمد حرزالله من جمع ما يقرب من 150,000 دولار أمريكي من التبرعات من رجال أعمال في الأردن والعالم العربي لدعم المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.  مع نفاد الدعم المقدم من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة (NIH)، يقول محمد حرزالله أن التبرعات التي تجمع لا تكفي لتمويل المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب على المدى البعيد، خاصة مع زيادة حجم المبادرة وتفرعها إلى مجالات بحثية جديدة

ولكن، هناك أشكال أخرى للدعم الذي تحصل عليه المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.  لقد قام محمد حرزالله بإنشاء برامج تبادل بحثي طلابي مع جامعة رتجرز وجامعة هارفارد الأمريكية بالإضافة إلى جامعة الدراسات المتقدمة في ترييسته، إيطاليا  والمعهد السويسري الفدرالي في لوزان.  وقد قام إدفارد موزر بدعوة محمد حرزالله وأربعة من طلابه للمشاركة في مؤتمر علوم الأعصاب الأول لدول بحر الشمال، والذي عقد في تروندهايم في النرويج عام 2015.  “فلسطين إحدى دول بحر الشمال”، يقول محمد حرزالله بشيء من الدعابة، فهو يأمل أن يتمكن أحد طلابه من استكمال تدريبه تحت إشراف إدفارد وماي-برت موزر

قلائل من الذين تحدثنا معهم وافقوا على نقاش الأهداف السياسية لدعمهم للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.  “سأكون واضحاً من البداية، لن أناقش أي موضوع له علاقة بالسياسة أو بالدين”، يقول مارك جلوك.  “لن أقوم بتحليل الصراع في الشرق الأوسط لمجلة Science العلمية”، يقول إدفارد موزر. لا يوجد أي ارتباطات للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب بإسرائيل وما فيها من نشاط في أبحاث الأعصاب.  وبشكل عام، قليل من العلماء الفلسطينيين يقدم على التعاون مع العلماء الإسرائيليين

بعد اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993 حين كان يلوح الحل السلمي في الأفق، توطدت العلاقات بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين.  ولكن، وبعد اندلاع المواجهات مجدداً، انتهت كل الشراكات الأكاديمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.  منذ عام 2009، تتبنى جامعة القدس سياسة تقضي بعدم التعاون مع إسرائيل، كما يقول رئيس جامعة القدس عماد أبوكشك.  أي تعاون مع الإسرائيليين قد يقود إلى مشاكل سياسية، أو ما هو أسوأ كما يقول آخرون.  “ستتهم بالخيانة مباشرة”، كما يقول أليساندرو تريفيز.  “ستكون حياتك في خطر”

هذه السياسة في العلاقات بين الأكاديميين الفلسطينيين والإسرائيليين محبطة للبعض، مثل يوناتان لوينستاين، الباحث في الجامعة العبرية في القدس، والذي ينظم لقاءات تجمع بين علماء إسرائيليين وعرب، فهو يتطلع للعمل مع نظرائه الفلسطينيين.  “ليس من المنطق أن أتعاون مع باحثين في الولايات المتحدة وأوروبا، ولا أستطيع أن ألتقي بزملاء يبعدون عني عشرة كيلومترات”، يقول يوناتان لوينستاين

يتجنب محمد حرزالله أي تعاون مع الإسرائيليين معللاً ذلك بأنه: “خليط من الواقعية والمبادئ”.  يفضل محمد حرزالله التركيز على استكمال بناء المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.  مع غروب شمس اليوم، يتطلع محمد حرزالله من سطح بيت العائلة في يعبد إلى السهول الممتدة الزاخرة بالحياة، فيرى هدفه واضحاً جلياً: “معهد للأبحاث هنا في فلسطين، حيث أستطيع متابعة حياتي العلمية … هذا ما أريده.  أريد أن أثبت للجميع أنه رغم المعاناة والمعوقات، لا سبيل إلا للتقدم إلى الأمام